شغلتني لفترة طويلة مسألة زوج فرعون المذكورة في القرآن, فليس لها مقابل في القصة التوراتية, ولا في القصص الهاجادية (التفسيرية اليهودية), والأعجب من ذلك امتلاكها اسما صريحا هو "آسية بنت مزاحم" وهو اسم ورد في العديد من الروايات ومن ضمنها أحاديث صحيحة. سنتطرق إلى ما يقوله عنها القرآن, ثم الراويات الصحيحة ونحاول أن نجد المصادر المناسبة لهذا التقليد الإسلامي
جاء في سورة:القصص : 9: وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنى أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون.
التحريم: 11: وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرات فرعون اذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة نجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمبن.
يذكر تفسير الجلالين وغيره من التفاسير أن اسم زوج فرعون هو آسية , وهو في ذلك يعتمد على الروايات الصحيحة والتي تتفق معها الروايات الأضعف , فقد ذكر البخاري ومسلم وغيرهم آسية بالاسم
-
البخاري: 3159: حدثنا يحيى بن جعفر حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة الهمداني عن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام
أخرجه مسلم: 4459, الترمذي: 1757, ابن ماجة: 3371و أحمد: 18702, 18837
أحمد: 2536: حدثنا يونس حدثنا داود بن أبي فرات عن علباء عن عكرمة عن ابن عباس قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط قال تدرون ما هذا فقالوا الله ورسوله أعلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم ابنة عمران رضي الله عنهن أجمعين.
أحمد: 2751, 2805
إن معنى ورود اسم آسية في صحيحي البخاري ومسلم قدم هذا التقليد (على العكس من اسم عزرائيل مثلا, والذي لم يرد في الصحاح لتأخر شيوعه).
تذكر رويات أهل السنة والشيعة على اختلاف درجاتها أمورا عديدة عن آسية
-فبعض الروايات تقول أنها من أهل مصر وأنها ابنة الريان ابن الوليد ملك مصر عل زمن يوسف, وأنها واحدة من بين ثلاثة مصريين آمنوا برسالة موسى
-ويقول الآخرون أنها إسرائيلية من بني الأنبياء, بل وابنة عم موسى, تزوجها فرعون كرها
-يقول البعض أنها إحدى أزواج محمدٍ في الجنة
-أما ملخص ما روي عن سيرتها غير ذلك, أنها وجدت موسى وهي تستحم في النيل لبرص أصابها (وتقول رواية أخرى أن من انتشله كانت ابنة فرعون), وأنها أحضرت المراضع لموسى فلم يقبل إلا ثدي أمه, وأنها لطالما دافعت عن موسى أمام فرعون زوجها.
وخلال ترجمتي لبعض القصص الهاجاديّة اليهودية, لاحضت أن زوج يوسف (حسب القصة التوراتية) والتي كان اسمها أسينات بنت فوطيفارع كانت قد نبذت الوثنية (ديانة أبيها) , وما لفت انتباهي بالذات تعبيرُ" لأنها انتحبت وتضرعت لكي تُخَلَّصَ من بيت فوطيفار الوثني", إن هذا قد ذكرني بآية :" رب ابن لي عندك بيتا في الجنة نجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمبن." بعد ذلك انتبهت إلى التشابه بين اسمي آسية وأسينات, وبالرغم من أن الاسمين لا يبدوا متشابهين إملاءا ولا لفضا, إلا أن علينا أن نذكر أن الحروف العربية تطورت كثيرا في الفترة ما بين بدء التدوين ولغاية الوصول إلى النمط الحالي في الإملاء.
1- الألف الوسطية في أسينات كانت تلفظ ولا تُكتب في الخط الحجازي أو الكوفي القديم (القرنان الأول والثاني الهجريين)
2- لم تكن الحروف منقطة
3- بالرغم من أنني لاحظت أن التاء المربوطة في آسية والمفتوحة في أسينات كانتا متمايزتان في المخطوطات القديمة. إلا أن التاء في آسية تلفظ إن حُرك آخر الكلمة ط
4- وهكذا كانت آسية تكتب "اسٮﻪ" وتكتب أسينات "اسٮٮ" والتشابه واضح
5- كما كلمة مزاحم قد تكون تصحيفا إملائيا لفوطيفارعأيضا إن أخذنا بنظر الاعتبار القاعدتين الإملائيتين القديمتين أعلاه (مزاحم تُكتب مرحم , وفوطيفار تكتب ڡطڡر)
6-
لذلك فمن الممكن أن قد حدث هنالك التباس في اللفظ والإملاء كالذي حدث مع يحيى وأصلها (ٮٮحٮى"بدون تنقيط"= يُحَنى=يوحنّا وهو الالذي يدل عليه وجود أشخاص مسيحيون عاشوا في صدر الإسلام اسمهم يحنى")
أما كيف انتقل اسم أسينات (آسية) ليكون اسما لزوج فرعون بدلا من زوج يوسف فأقترح أنه يعود إلى الأسباب الآتية:1- أسينات زوج يوسف شخصية لا ثانوية جدا في التوراة, أما في التراث الديني اليهودي المتأخر فلها أهمية كبيرة, وذلك يعود إلى محاولة المفسرين اليهود إيجاد وسيلة للتخلص من الإحراج الذي تسبب به زواج يوسف من مصرية حاميّة, لذلك فقد ألف الكثير عن أسينات ولأنهم لم يتمكنوا من إيجاد سلف إبراهيمي مناسب لها فقد جعلوها ابنة لدينة بنت يعقوب من حامور الذي اغتصبها (فتكون حفيدة ليعقوب ويكون زوجها يوسف خالها أيضا) وهذا يذكرنا بمحاولة الرواة المسلمين الأوائل إلصاق آسية بنت مزاحم(زوج فرعون) بالنسب الإسرائيلي, فقد جعلها بعضهم ابنة عمِ لموسى
2-كما أن إغداق الصفات الفاضلة والعلوية على آسية بنت مزاحم يذكرني بإغداق اليهود الفضائل على أسنات بنت فوطيفارع . فتذكر الأسطورة اليهودية كيف أن ملاكا قال لها " سوف لن يكون اسمك أسينات بعد الآن, بل سيكون اسمك مدينة اللجوء, حيث تفر إليها الأمم للنجاة"
3-لعل محمدا أو أحد قدماء المحدثين والرواة المسلمين (وقد يكون ابن عباس) ذكر (أو ذًكر له) اسم أسينات وأنها من فضليات النساء, ولما لم تكن زوج يوسف مشارا إليها في القرآن, ألصق الاسم بزوج فرعون المذكورة في الققرآن
4-إن بعض الرواة المسلمين يقترحون أن آسية مصرية الأصل, وهذا يوافق ما يقترحه بعض الرواة اليهود بحق أسينات بنت فوطيفارع مؤكدين أصلها المصري.
5- أجواء قصة كلتا السيدتين أجواء مصرية , مما قد يدعو للإرتباك.
6-هنالك قصة يهودية عن محاولة ابن فرعون الاعتداء على أسينات إلا أن يوسف تغلب عليه واستولى على عرشه, وقد يكون هذا مصدرا آخر للالتباس بين القصتين. فعلينا ان نذكر أن القصص القرآنية والقصص الإلامية اللاحقة كلها متأثرة بالهاجادا أو القصص التفسيرية اليهودية.
7-في التراث اليهودي تكون بنت فرعون التي انتشلت موسى من النهر مؤمنة بالله غير وثنية, وفي الروايات الإسلامية تكون آسية هي التي انتشلت موسى أحيانا وأحيانا تكون بنت فرعون هي اللتي فعلت ذلك.
لذلك أقترح بأن اسم آسية مشتق من اسم أسينات (زوج يوسف في التوراة) وهو تقليد نشأ في فترة مبكرة جدا من الإسلام, وأن ما ذَكر عن زوج فرعون في القرآن هو التباس حدث عند محمد بين نسوة عديدات هن زوج فرعون وابنته المؤمنة و أسينات زوج يوسف والقابلتان التان أشفقتا على أطفال الإسرائيليين الذكور من القتل فبنا الله لهما بيوتا (كما تقول التوراة)وارتباك مثل هذا قد حدث عند محمد في عندما ذكر أن فرعون قال لهامان "يا هامان ابن لي صرحا..الخ." فقد مزج محمد بين قصة فرعون وقصة هامان (من سفر إستير) وقصة برج بابل
وأنا أرجوا أن لا أكون قد ذهبت بعيدا في استنتاجاتي فإن هذا أقصى ما تمكنت من الوصول إليه بشأن مصدر قصة زوج فرعون المؤمنة آسية, إذ لا يوجد ذكر لزوج مؤمنة كانت لفرعون ولا ذك لاسم "آسية بنت مزاحم" بشكل صريح في أي مصدر غير إسلامي.
الكاتب: ابن المقفّع

"شكرا لك":
*